azzaman
2003/03/28
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

نصوص - بالأمس سأكون ما كنت سوف أكون - تيسير نظمي

نصوص - بالأمس سأكون ما كنت سوف أكون - تيسير نظمي
يكون نجماً... ويكون حزناً.
في كل ليلة يتمدد جسد أمامي كجثة هائلة من الحزن النبيل. ولا أحد ينتبه إلي تضاريسه الممتدة من المغرب إلي الخليج الدافئ الرطب. ولولا ان الشمس تشرق لتعفن هذا الجسد ولانبعثت منه روائح لنباتات واعشاب منقرضة. لا اوقظه عندما ينام منطرحا أمام عيني فهو علي الأقل لم يطلب مني ذلك، ولم يشر علي بأية فكرة أو ايحاء من هذا القبيل. لعلي ألفت هذا المشهد واعتدت علي الصمت والتأمل وعدم التدخل، خاصة عندما أكون نزيلا لفندق شعبي غير مأهول في الزرقاء التي تسمي نفسها مدينة. وبالتحديد عندما يثقل كاهلي شاب الفندق الفتي والكسول بسؤاله عن أجرة المبيت. وفي مثل تلك اللحظات يكاد هذا الجسد الخرافي ان يتململ وليته يفعل. ويكاد يتثاءب لكنه لا يفعل. انه حزن ثقيل فقط. حزن اكبر من ان تحتويه عين. لكنني موقن وما اعمق يقيني بأنه نبيل. لا يريك ملامح وجهه كي لا تعتاد عليه فتمل رؤيته اويضجرك حضوره البهي. لكأن آلهة الإغريق اختبات فيه قبل وفاتها بلحظات ولكأن سيزيف ما يزال يحتضر فيه. فقد اختفي بروميثيوس وشعلته في هذا الليل. أولعلي لا أدرك أن برميثيوس ما يزال يتعذب علي سفح جبل تطوقه الأسلحة النووية والجرثومية والكيمياوية وقد كتب لمناقير الطيور الجارحة ان تزداد صلابة وقساوة في توالدها المستمر كي تورث مهمتها الاسطورية. هل قيل انها مناقير الصقور أم النسور؟ لا أدري، فلا جدوي من ان أدري فثمة لا فرق لبرومييثوس الآن بعد مرور السنوات دون ان ينبري أحد للتدخل في ما آلت اليه اقداره (سارق الشعلة) هل قيل: سارق؟ لا بأس، فتلك رواية التاريخ وقلما يعترض تواترها احد في زمن يتناسل ويكف فيه الاولياء عن الظهور العلني. هكذا أمضي الليل في الزرقاء في الفندق في الأردن في الشرق الأوسط في ما أصبح يخصني من أدوية الآم الصدر والقلب وتصلب الشرايين والتوق لأن لولم أكن بحاجة للتدخين والنقود والنوم جنبا إلي جنب مع جثة الحزن النبيل. ماذا يخبئ هذا الجسد الهائل؟ وماذا لو استيقظ فجأة منتصبا لتتساقط الطائرات علي كتفيه مثلما يتساقط الذباب! إنها إحتمالات النائم الجميل في بلاد كل ما فيها جميل لولا تزاحم البشر مع الذئاب وإندهاس الحمام في لجة الفوضي واندغام الهديل بالعويل. انها احتمالات لا ترقي إليها عبقرية المتخيل لاجمل الرجال الغرقي. لعلها احتمالات وكفي أو لعلها وهم بالي الجذور كي ينقرض الشجر الضخم ولا ينتمي الحزن لهذا الكون. هذا الكون الشاسع الكبير المتسع المسافر الثابت البهي المتعادل المعتدل المتوازن المتسق الحكيم، إنني الكائن البسيط الصغير غير المرئي في حضرة هذا الجسد. ليل جثة الحزن البهيم. إنه حزن عميق وكفي. حزن كائن ومجرد ومتكامل. حزن لا يشبهه من هذه المخلوقات شيئ. من عظام البسطاء أمثالي تتكون الصخرة والكلس والحجر. هل يتدفق الماء في خرير يشبه ما قبل البدء؟ وهل سأقوم بعمل ذي جدوي لاكسب فرصة تسديد أجرة الفندق وما يطمح إليه فتي الفندق الكسول؟ سأفكر في كل هذا غدا وبطفل يناديني : بابا، وبعيني ديما، ابنتي، الغرقتا بدمع الحزن المبكر.
حزن ديما النبيل. فقد شاهدتني بصمت وفهمتني بصمت كما الزا دون ان تقول أي منهما: (بابا). أشهد الآن انني رأيت ذلك وليس في الأمر أي تصعيد للخيال. ابنتاي تعيشان، تنامان، تصحوان، علي مسافة أمتار من فندق أقيم به وفي الزرقاء. فلماذا حدد مركز البوليس ساعتين كل خميس لمشاهدتهما؟لا أدري. لعلهم اتفقوا مع من تولدوا منها علي: (فراش الزوجية الصحيح) ان يتم تعييني حارسا لهذه الجثة الطريحة المتضاخمة والمترهلة من آثار حزن عربي غير نبيل. وهل هناك أحزان غير نبيلة؟ الحزن هوالحزن . الوعي هوالوعي. وما أراه في وحدتي ناصع مثل شمس واضحة لكل ذي بصر ودافئة لكل ذي بصيرة. اما رؤاي فجرداء عارية مثل هذه الصحراء التي لا تكف عن الإمتداد . صحراء في الجبل صحراء في الوديان في القلوب وفي نفوس البشر. وجفاف يا ديما لولا دمعة عينيك، صحراء في حي رمزي في المركز في المحكمة الشرعية الجنوبية في بيوت الأصدقاء في الشارع المؤدي إلي مادبا في عمان في كل ما هوليس بحرا، وليس نهرا ، وليس فضاء، وليس سماء وليس غيما، وليس أنا . غدا سأري لأكون. فإما ان أكونه هذا أولا أكون. بابا.. بابا.... سأناديكم في الضباب المخيم علي مادبا وذيبان ولب ومليح والعريش والجرينة والجبل . أين الجبل في هذا لضباب الشتائي القارس؟ في لجة الضباب الكثيف؟ وأين أنتم وأين النقود وأين التاريخ؟ خذواالتاريخ كله وادعاء إمتلاك الحقيقة واقتسموا حصتكم وامكم. فلن أنسي ما رأيت أوماأري. ليكون نجما ويكون قمرا ويكون ليلا ويكون نهارا، ليكون بعدا ليكون فقرا فيكون حزنا، غدا، سأكون أولا....
وغدا سأختفي في الضباب الكثيف المتراحل الندي البارد الهارب إلي لا مكان. غدا سأكون الأدرياتيكي غارقا في الكحلي لعلي اجدني في تريستا بعد أن مللت من إنتظار ضباب سيلة الظهر وتين سيلةالظهر وان ينموعرق اخضر في قرميتي الرومية الرومية من زيتون عريق أمام منزل لم أسكنه بقدر ما سكنني نحوثلاثين عاما. غزة للرمل والنقود. في غزة فقر ومخيمات ونقود ولا يكون بحر. وفي سيلتي انا جبل وسماء وزيتون وأسماء ويكون غول. وفي الزرقاء أمن وأستقرار ومحاكم فتكون نقود وتكون مدينة ويكون هاتف تغلقه ابنتي الكبيرة وابنتي الصغيرة والأبن الوحيد في وجهي بناء علي تعليمات صارمة فأكون حزنا وأكون جسدا وأكون دخانا ويكون الحزن الكوني يلف العالم بالدفء ويتركني وحيدا في العراء والصقيع. بالامس سأكون ما كنت سوف أكون. تحترق ببطء.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1465--- Date30 /3/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1465 --- التاريخ 2003 - 3 - 30

AZP09
AYNS

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق